فصل: تفسير الآيات رقم (1- 5)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن ***


سورة الليل

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 21‏]‏

‏{‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ‏(‏1‏)‏ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ‏(‏2‏)‏ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ‏(‏3‏)‏ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ‏(‏4‏)‏ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ‏(‏5‏)‏ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ‏(‏6‏)‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ‏(‏7‏)‏ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ‏(‏8‏)‏ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ‏(‏9‏)‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ‏(‏10‏)‏ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ‏(‏11‏)‏ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ‏(‏12‏)‏ وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى ‏(‏13‏)‏ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ‏(‏14‏)‏ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ‏(‏15‏)‏ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ‏(‏16‏)‏ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ‏(‏17‏)‏ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ‏(‏18‏)‏ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ‏(‏19‏)‏ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ‏(‏20‏)‏ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ‏(‏21‏)‏‏}‏

في إطار من مشاهد الكون وطبيعة الإنسان تقرر السورة حقيقة العمل والجزاء‏.‏ ولما كانت هذه الحقيقة منوعة المظاهر‏:‏ ‏{‏إن سعيكم لشتى‏.‏ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى‏.‏ وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى‏}‏‏.‏‏.‏ وكانت العاقبة كذلك في الآخرة مختلفة وفق العمل والوجهة‏:‏ ‏{‏فأنذرتكم ناراً تلظى‏.‏ لا يصلاها إلا الأشقى‏.‏ الذي كذب وتولى‏.‏ وسيجنبها الأتقى، الذى يؤتي ماله يتزكى‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

لما كانت مظاهر هذه الحقيقة ذات لونين، وذات اتجاهين‏.‏‏.‏ كذلك كان الإطار المختار لها في مطلع السورة ذا لونين في الكون وفي النفس سواء‏:‏ ‏{‏والليل إذا يغشى‏.‏ والنهار إذا تجلى‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏وما خلق الذكر والأنثى‏}‏‏.‏‏.‏ وهذا من بدائع التناسق في التعبير القرآني‏.‏

‏{‏والليل إذا يغشى‏.‏ والنهار إذا تجلى‏.‏‏.‏ وما خلق الذكر والأنثى‏}‏‏.‏‏.‏

يقسم الله سبحانه بهاتين الآيتين‏:‏ الليل والنهار‏.‏ مع صفة كل منهما الصفة المصورة للمشهد‏.‏ ‏{‏والليل إذا يغشى‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏والنهار إذا تجلى‏}‏‏.‏‏.‏ الليل حين يغشى البسيطة، ويغمرها ويخفيها‏.‏ والنهار حين يتجلى ويظهر، فيظهر في تجلية كل شيء ويسفر‏.‏ وهما آنان متقابلان في دورة الفلك، ومتقابلان في الصورة، ومتقابلان في الخصائص، ومتقابلان في الآثار‏.‏‏.‏ كذلك يقسم بخلقه الأنواع جنسين متقابلين‏:‏ ‏{‏وما خلق الذكر والأنثى‏}‏‏.‏‏.‏ تكملة لظواهر التقابل في جو السورة وحقائقها جميعاً‏.‏

والليل والنهار ظاهرتان شاملتان لهما دلالة توحيان بها إيحاء للقلب البشري؛ ولهما دلالة كذلك أخرى عند التدبر والتفكر فيهما وفيما وراءهما‏.‏ والنفس تتأثر تأثراً تلقائياً بتقلب الليل والنهار‏.‏ الليل إذا يغشى ويعم، والنهار إذا تجلى وأسفر‏.‏ ولهذا التقلب حديث وإيحاء‏.‏ حديث عن هذا الكون المجهول الأسرار، وعن هذه الظواهر التي لا يملك البشر من أمرها شيئاً‏.‏ وإيحاء بما وراء هذا التقلب من قدرة تدير الآونة في الكون كما تدار العجلة اليسيرة‏!‏ وبما هنالك من تغير وتحول لا يثبت أبداً على حال‏.‏

ودلالتهما عند التدبر والتفكر قاطعة في أن هنالك يداً أخرى تدير هذا الفلك، وتبدل الليل والنهار‏.‏ بهذا الانتظام وهذا الاطراد وهذه الدقة‏.‏ وأن الذي يدير الفلك هكذا يدير حياة البشر أيضاً‏.‏ ولا يتركهم سدى، كما أنه لا يخلقهم عبثاً‏.‏

ومهما حاول المنكرون والمضلون أن يلغوا في هذه الحقيقة، وأن يحولوا الأنظار عنها، فإن القلب البشري سيظل موصولاً بهذا الكون، يتلقى إيقاعاته، وينظر تقلباته، ويدرك تلقائياً كما يدرك بعد التدبر والتفكر، أن هنالك مدبراً لا محيد من الشعور به، والاعتراف بوجوده من وراء اللغو والهذر، ومن وراء الجحود والنكران‏!‏

وكذلك خلقة الذكر والأنثى‏.‏‏.‏ إنها في الإنسان والثدييات الحيوانية نطفة تستقر في رحم‏.‏ وخلية تتحد ببويضة‏.‏ ففيم هذا الاختلاف في نهاية المطاف‏؟‏ ما الذي يقول لهذه‏:‏ كوني ذكراً، ويقول لهذه‏:‏ كوني أنثى‏؟‏‏.‏

‏.‏ إن كشف العوامل التي تجعل هذه النطفة تصبح ذكراً، وهذه تصبح أنثى لا يغير من واقع الأمر شيئاً‏.‏‏.‏ فإنه لماذا تتوفر هذه العوامل هنا وهذه العوامل هناك‏؟‏ وكيف يتفق أن تكون صيرورة هذه ذكراً، وصيرورة هذه أنثى هو الحدث الذي يتناسق مع خط سير الحياة كلها، ويكفل امتدادها بالتناسل مرة أخرى‏؟‏

مصادفة‏؟‏‏!‏ إن للمصادفة كذلك قانوناً يستحيل معه أن تتوافر هذه الموافقات كلها من قبيل المصادفة‏.‏‏.‏ فلا يبقى إلا أن هنالك مدبراً يخلق الذكر والأنثى لحكمة مرسومة وغاية معلومة‏.‏ فلا مجال للمصادفة، ولا مكان للتلقائية في نظام هذا الوجود أصلاً‏.‏

والذكر والأنثى شاملان بعد ذلك للأنواع كلها غير الثدييات‏.‏ فهي مطردة في سائر الأحياء ومنها النبات‏.‏‏.‏ قاعدة واحدة في الخلق لا تتخلف‏.‏ لا يتفرد ولا يتوحد إلا الخالق سبحانه الذي ليس كمثله شيء‏.‏‏.‏

هذه بعض إيحاءات تلك المشاهد الكونية، وهذه الحقيقة الإنسانية التي يقسم الله سبحانه بها، لعظيم دلالتها وعميق إيقاعها‏.‏ والتي يجعلها السياق القرآني إطاراً لحقيقة العمل والجزاء في الحياة الدنيا وفي الحياة الأخرى‏.‏‏.‏

يقسم الله بهذه الظواهر والحقائق المتقابلة في الكون وفي الناس، على أن سعي الناس مختلف وطرقهم مختلفة، ومن ثم فجزاؤهم مختلف كذلك؛ فليس الخير كالشر، وليس الهدى كالضلال‏.‏ وليس الصلاح كالفساد، وليس من أعطى واتقى كمن بخل واستغنى، وليس من صدق وآمن كمن كذب وتولى‏.‏ وأن لكل طريقاً، ولكل مصيراً، ولكل جزاء وفاقاً‏:‏

‏{‏إن سعيكم لشتى‏.‏ فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى‏.‏ وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى، وما يغني عنه ماله إذا تردى‏}‏‏.‏‏.‏

إن سعيكم لشتى‏.‏‏.‏ مختلف في حقيقته‏.‏ مختلف في بواعثه‏.‏ مختلف في اتجاهه‏.‏ مختلف في نتائجه‏.‏‏.‏ والناس في هذه الأرض تختلف طبائعهم، وتختلف مشاربهم، وتختلف تصوراتهم، وتختلف اهمتاماتهم، حتى لكأن كل واحد منهم عالم خاص يعيش في كوكب خاص‏.‏

هذه حقيقة‏.‏ ولكن هناك حقيقة أخرى‏.‏ حقيقة إجمالية تضم أشتات البشر جميعاً‏.‏ وتضم هذه العوامل المتباينة كلها‏.‏ تضمها في حزمتين اثنتين‏.‏ وفي صفين متقابلين‏.‏ تحت رايتين عامتين‏:‏ ‏{‏من أعطى واتقى وصدق بالحسنى‏}‏‏.‏‏.‏ و‏{‏من بخل واستغنى وكذب بالحسنى‏}‏‏.‏‏.‏

من أعطى نفسه وماله‏.‏ واتقى غضب الله وعذابه‏.‏ وصدق بهذه العقيدة التي إذا قيل ‏{‏الحسنى‏}‏ كانت اسماً لها وعلماً عليها‏.‏

ومن بخل بنفسه وماله‏.‏ واستغنى عن الله وهداه‏.‏ وكذب بهذه الحسنى‏.‏‏.‏

هذان هما الصفان اللذان يلتقي فيهما شتات النفوس، وشتات السعي، وشتات المناهج، وشتات الغايات‏.‏ ولكل منهما في هذه الحياة طريق‏.‏‏.‏ ولكل منهما في طريقه توفيق‏!‏

‏{‏فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى‏.‏‏.‏ فسنيسره لليسرى‏}‏‏.‏‏.‏

والذي يعطي ويتقي ويصدق بالحسنى يكون قد بذل أقصى ما في وسعه ليزكي نفسه ويهديها‏.‏ عندئذ يستحق عون الله وتوفيقه الذي أوجبه سبحانه على نفسه بإرادته ومشيئته‏.‏

والذي بدونه لا يكون شيء، ولا يقدر الإنسان على شيء‏.‏

ومن يسره الله لليسرى فقد وصل‏.‏‏.‏ وصل في سر وفي رفق وفي هوادة‏.‏‏.‏ وصل وهو بعد في هذه الأرض‏.‏ وعاش في يسر‏.‏ يفيض اليسر من نفسه على كل ما حوله وعلى كل من حوله‏.‏ اليسر في خطوه‏.‏ واليسر في طريقه‏.‏ واليسر في تناوله للأمور كلها‏.‏ والتوفيق الهادئ المطمئن في كلياتها وجزئياتها‏.‏ وهي درجة تتضمن كل شيء في طياتها‏.‏ حيث تسلك صاحبها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في وعد ربه له‏:‏ ‏{‏ونيسرك لليسرى‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏وأما من بخل واستغنى‏.‏ وكذب بالحسنى‏.‏‏.‏ فسنيسره للعسرى‏.‏ وما يغني عنه ماله إذا تردى‏}‏‏.‏‏.‏

والذي يبخل بنفسه وماله، ويستغني عن ربه وهداه، ويكذب بدعوته ودينه‏.‏‏.‏ يبلغ أقصى ما يبلغه إنسان بنفسه من تعريضها للفساد‏.‏ ويستحق أن يعسر الله عليه كل شيء، فييسره للعسرى‏!‏ ويوفقه إلى كل وعورة‏!‏ ويحرمه كل تيسير‏!‏ ويجعل في كل خطوة من خطاه مشقة وحرجاً، ينحرف به عن طريق الرشاد‏.‏ ويصعد به في طريق الشقاوة‏.‏ وإن حسب أنه سائر في طريق الفلاح‏.‏ وإنما هو يعثر فيتقي العثار بعثرة أخرى تبعده عن طريق الله، وتنأى به عن رضاه‏.‏‏.‏ فإذا تردى وسقط في نهاية العثرات والانحرافات لم يغن عنه ماله الذي بخل به، والذي استغنى به كذلك عن الله وهداه‏.‏‏.‏ ‏{‏وما يغني عنه ماله إذا تردى‏}‏‏.‏‏.‏ والتيسير للشر والمعصية من التيسير للعسرى، وإن أفلح صاحبها في هذه الأرض ونجا‏.‏‏.‏ وهل أعسر من جهنم‏؟‏ وإنها لهي العسرى‏!‏‏.‏

هكذا ينتهي المقطع الأول في السورة‏.‏ وقد تبين طريقان ونهجان للجموع البشرية في كل زمان ومكان‏.‏ وقد تبين أنهما حزبان ورايتان مهما تنوعت وتعددت الأشكال والألوان‏.‏ وأن كل إنسان يفعل بنفسه ما يختار لها‏!‏ فييسر الله له طريقه‏:‏ إما إلى اليسرى وإما إلى العسرى‏.‏

فأما المقطع الثاني فيتحدث عن مصير كل فريق‏.‏ ويكشف عن نهاية المطاف لمن يسره لليسرى، ومن يسره للعسرى‏.‏ وقبل كل شيء يقرر أن ما يلاقيه كل فريق من عاقبة ومن جزاء هو عدل وحق، كما أنه واقع وحتم‏.‏ فقد بين الله للناس الهدى، وأنذرهم ناراً تلظى‏:‏

‏{‏إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى‏.‏ فأنذرتكم ناراً تلظى، لا يصلاهآ إلا الأشقى الذي كذب وتولى‏.‏ وسيجنبها الأتقى، الذى يؤتي ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى‏}‏‏.‏‏.‏

لقد كتب الله على نفسه فضلاً منه بعباده ورحمة أن يبين الهدى لفطرة الناس ووعيهم‏.‏ وأن يبينه لهم كذلك بالرسل والرسلات والآيات، فلا تكون هناك حجة لأحد، ولا يكون هناك ظلم لأحد‏:‏ ‏{‏إن علينا للهدى‏}‏‏.‏‏.‏

واللمسة الثانية هي التقرير الجازم لحقيقة السيطرة التي تحيط بالناس، فلا يجدون من دونها موئلاً‏:‏ ‏{‏وإن لنا للآخرة والأولى‏}‏‏.‏

‏.‏ فأين يذهب من يريد أن يذهب عن الله بعيداً‏؟‏‏!‏

وتفريعاً على أن الله كتب على نفسه بيان الهدى للعباد، وأن له الآخرة والأولى داري الجزاء والعمل‏.‏ تفريعاً على هذا يذكرهم أنه أنذرهم وحذرهم وبين لهم‏:‏ ‏{‏فأنذرتكم ناراً تلظى‏}‏‏.‏‏.‏ وتتسعر‏.‏‏.‏ هذه النار المتسعرة ‏{‏لا يصلاها إلا الأشقى‏}‏‏.‏‏.‏ أشقى العباد جميعاً‏.‏ وهل بعد الصلي في النار شقوة‏؟‏ ثم يبين من هو الأشقى‏.‏ إنه‏:‏ ‏{‏الذي كذب وتولى‏}‏‏.‏‏.‏ كذب بالدعوة وتولى عنها‏.‏ تولى عن الهدى وعن دعوة ربه له ليهديه كما وعد كل من يأتي إليه راغباً‏.‏

‏{‏وسيجنبها الأتقى‏}‏‏.‏‏.‏ وهو الأسعد في مقابل الأشقى‏.‏‏.‏ ثم يبين من هو الأتقى‏:‏ ‏{‏الذي يؤتي ماله يتزكى‏}‏‏.‏‏.‏ الذي ينفق ماله ليتطهر بإنفاقه، لا ليرائي به ويستعلي‏.‏ ينفقه تطوعاً لا رداً لجميل أحد، ولا طلباً لشكران أحد، وإنما ابتغاء وجه ربه خالصاً‏.‏‏.‏ ربه الأعلى‏.‏‏.‏

‏{‏وما لأحد عنده من نعمة تجزى‏.‏ إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى‏}‏‏.‏‏.‏

ثم ماذا‏؟‏ ماذا ينتظر هذا الأتقى، الذي يؤتي ماله تطهراً، وابتغاء وجه ربه الأعلى‏؟‏ إن الجزاء الذي يطالع القرآن به الأرواح المؤمنة هنا عجيب‏.‏ ومفاجئ‏.‏ وعلى غير المألوف‏.‏

‏{‏ولسوف يرضى‏}‏‏.‏

إنه الرضى ينسكب في قلب هذا الأتقى‏.‏ إنه الرضى يغمر روحه‏.‏ إنه الرضى يفيض على جوارحه‏.‏ إنه الرضى يشيع في كيانه‏.‏ إنه الرضى يندي حياته‏.‏‏.‏

ويا له من جزاء‏!‏ ويا لها من نعمة كبرى‏!‏

‏{‏ولسوف يرضى‏}‏‏.‏‏.‏ يرضى بدينه‏.‏ ويرضى بربه‏.‏ ويرضى بقدره‏.‏ ويرضى بنصيبه‏.‏ ويرضى بما يجد من سراء وضراء‏.‏ ومن غنى وفقر‏.‏ ومن يسر وعسر‏.‏ ومن رخاء وشدة‏.‏ يرضى فلا يقلق ولا يضيق ولا يستعجل ولا يستثقل العبء، ولا يستبعد الغاية‏.‏‏.‏ إن هذا الرضى جزاء جزاء أكبر من كل جزاء جزاء يستحقه من يبذل له نفسه وماله من يعطي ليتزكى‏.‏ ومن يبذل ابتغاء وجه ربه الأعلى‏.‏

إنه جزاء لا يمنحه إلا الله‏.‏ وهو يسكبه في القلوب التي تخلص له، فلا ترى سواه أحداً‏.‏

‏{‏ولسوف يرضى‏}‏‏.‏‏.‏

يرضى وقد بذل الثمن‏.‏ وقد أعطى ما أعطى‏.‏‏.‏

إنها مفاجأة في موضعها هذا‏.‏ ولكنها المفاجأة المرتقبة لمن يبلغ ما بلغه الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى‏.‏‏.‏

‏{‏ولسوف يرضى‏}‏‏.‏‏.‏

سورة الضحى

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏وَالضُّحَى ‏(‏1‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ‏(‏2‏)‏ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ‏(‏3‏)‏ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ‏(‏4‏)‏ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى ‏(‏6‏)‏ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ‏(‏7‏)‏ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ‏(‏8‏)‏ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ‏(‏9‏)‏ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ‏(‏10‏)‏ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ‏(‏11‏)‏‏}‏

هذه السورة بموضوعها، وتعبيرها، ومشاهدها، وظلالها وإيقاعها، لسمة من حنان، ونسمة من رحمة‏.‏ وطائف من ود‏.‏ ويد حانية تمسح على الآلام والمواجع، وتنسم بالروْح والرضى والأمل‏.‏ وتسكب البرد والطمأنينة واليقين‏.‏

إنها كلها خالصة للنبي صلى الله عليه وسلم كلها نجاء له من ربه، وتسرية وتسلية وترويح وتطمين‏.‏ كلها أنسام من الرحمة وأنداء من الود، وألطاف من القربى، وهدهدة للروح المتعب، والخاطر المقلق، والقلب الموجوع‏.‏

ورد في روايات كثيرة أن الوحي فتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطأ عليه جبريل عليه وسلم فقال المشركون‏:‏ ودع محمداً ربه‏!‏ فأنزل الله تعالى هذه السورة‏.‏‏.‏

والوحي ولقاء جبريل والاتصال بالله، كانت هي زاد الرسول صلى الله عليه وسلم في مشقة الطريق‏.‏ وسقياه في هجير الجحود‏.‏ وروْحه في لأواء التكذيب‏.‏ وكان صلى الله عليه وسلم يحيا بها في هذه الهاجرة المحرقة التي يعانيها في النفوس النافرة الشاردة العصية العنيدة‏.‏ ويعانيها في المكر والكيد والأذى المصبوب على الدعوة، على الإيمان، وعلى الهدى من طغاة المشركين‏.‏

فلما فتر الوحي انقطع عنه الزاد، وانحبس عنه الينبوع، واستوحش قلبه من الحبيب‏.‏ وبقي للهاجرة وحده‏.‏ بلا زاد‏.‏ وبلا ري‏.‏ وبغير ما اعتاد من رائحة الحبيب الودود‏.‏ وهو أمر أشد من الاحتمال من جميع الوجوه‏.‏‏.‏

عندئذ نزلت هذه السورة‏.‏ نزل هذا الفيض من الود والحب والرحمة والإيناس والقربى والأمل والرضى والطمأنينة واليقين‏.‏‏.‏

‏{‏ما ودعك ربك وما قلى‏.‏ وللآخرة خير لك من الأولى‏.‏ ولسوف يعطيك ربك فترضى‏}‏‏.‏‏.‏

وما تركك ربك من قبل أبداً، وما قلاك من قبل قط، وما أخلاك من رحمته ورعايته وإيوائه‏.‏‏.‏

‏{‏ألم يجدك يتيماً فآوى‏؟‏ ووجدك ضالاً فهدى‏؟‏ ووجدك عائلاً فأغنى‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

ألا تجد مصداق هذا في حياتك‏؟‏ ألا تحس مسّ هذا في قلبك‏؟‏ ألا ترى أثر هذا في واقعك‏؟‏

لا‏.‏ لا‏.‏‏.‏ ‏{‏ما ودعك ربك وما قلى‏}‏‏.‏‏.‏ وما انقطع عنك بره وما ينقطع أبدا‏.‏‏.‏ ‏{‏وللآخرة خير لك من الأولى‏}‏‏.‏‏.‏ وهناك ما هو أكثر وأوفى‏:‏ ‏{‏ولسوف يعطيك ربك فترضى‏}‏ ‏!‏

ومع هذه الأنسام اللطيفة من حقيقة الأمر وروحه‏.‏‏.‏ الأنسام اللطيفة في العبارة والإيقاع‏.‏‏.‏ وفي الإطار الكوني الذي وضعت فيه هذه الحقيقة‏:‏

‏{‏والضحى‏.‏ والليل إذا سجى‏}‏‏.‏‏.‏

«لقد أطلق التعبير جواً من الحنان اللطيف، والرحمة الوديعة، والرضى الشامل، والشجى الشفيف»‏:‏

‏{‏ما ودعك ربك وما قلى‏.‏ وللآخرة خير لك من الأولى‏.‏ ولسوف يعطيك ربك فترضى‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏ألم يجدك يتيماً فآوى‏؟‏ ووجدك ضالاً فهدى‏؟‏ ووجدك عائلاً فأغنى‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ ذلك الحنان‏.‏ وتلك الرحمة‏.‏ وذاك الرضى‏.‏ وهذا الشجى‏:‏ تنسرب كلها من خلال النظم اللطيف العبارة، الرقيق اللفظ، ومن هذه الموسيقى السارية في التعبير‏.‏

الموسيقى الرتيبة الحركات، الوئيدة الخطوات، الرقيقة الأصداء، الشجية الإيقاع‏.‏‏.‏ فلما أراد إطاراً لهذا الحنان اللطيف، ولهذه الرحمة الوديعة، ولهذا الرضى الشامل، ولهذا الشجى الشفيف، جعل الإطار من الضحى الرائق، ومن الليل الساجي‏.‏ أصفى آنين من آونة الليل والنهار‏.‏ وأشف آنين تسري فيهما التأملات‏.‏ وتتصل الروح بالوجود وخالق الوجود‏.‏ وتحس بعبادة الكون كله لمبدعه، وتوجهه لبارئه بالتسبيح والفرح والصفاء‏.‏ وصوّرهما في اللفظ المناسب‏.‏ فالليل هو ‏{‏الليل إذا سجى‏}‏، لا الليل على إطلاقه بوحشته وظلامه‏.‏ الليل الساجي الذي يرق ويسكن ويصفو، وتغشاه سحابة رقيقة من الشجى الشفيف، والتأمل الوديع‏.‏ كجو اليتم والعيلة‏.‏ ثم ينكشف ويجلي مع الضحى الرائق الصافي‏.‏‏.‏ فتلتئم ألوان الصورة مع ألوان الإطار‏.‏ ويتم التناسق والاتساق «‏.‏

إن هذا الإبداع في كمال ليدل على الصنعة‏.‏ صنعة الله التي لا تماثلها صنعة، ولا يتلبس بها تقليد‏!‏

‏{‏والضحى‏.‏ والليل إذا سجى‏.‏ ما ودعك ربك‏.‏ وما قلى‏.‏ وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى‏}‏‏.‏‏.‏

يقسم الله سبحانه بهذين الآنين الرائقين الموحيين‏.‏ فيربط بين ظواهر الكون ومشاعر النفس‏.‏ ويوحي إلى القلب البشري بالحياة الشاعرة المتجاوبة مع هذا الوجود الجميل الحي، المتعاطف مع كل حي‏.‏ فيعيش ذلك القلب في أنس من هذا الوجود، غير موحش ولا غريب فيه فريد‏.‏‏.‏ وفي هذه السورة بالذات يكون لهذا الأنس وقعه‏.‏ فظل الأنس هو المراد مده‏.‏ وكأنما يوحي الله لرسوله صلى الله عليه وسلم منذ مطلع السورة، أن ربه أفاض من حوله الأنس في هذا الوجود، وأنه من ثم غير مجفوّ فيه ولا فريد‏!‏

وبعد هذا الإيحاء الكوني يجيء التوكيد المباشر‏:‏ ‏{‏ما ودعك ربك وما قلى‏}‏‏.‏‏.‏ ما تركك ربك ولا جفاك كما زعم من يريدون إيذاء روحك وإيجاع قلبك وإقلاق خاطرك‏.‏‏.‏ وهو ‏{‏ربك‏}‏ وأنت عبده المنسوب إليه، المضاف إلى ربوبيته، وهو راعيك وكافلك‏.‏‏.‏

وما غاض معين فضله وفيض عطائه‏.‏ فإن لك عنده في الآخرة من الحسنى خيراً مما يعطيك منها في الدنيا‏:‏ ‏{‏وللآخرة خير لك من الأولى‏}‏‏.‏‏.‏ فهو الخير أولاً وأخيراً‏.‏‏.‏

وإنه ليدخر لك ما يرضيك من التوفيق في دعوتك، وإزاحة العقبات من طريقك، وغلبة منهجك، وظهور حقك‏.‏‏.‏ وهي الأمور التي كانت تشغل باله صلى الله عليه وسلم وهو يواجه العناد والتكذيب والأذى والكيد‏.‏‏.‏ والشماتة‏.‏‏.‏ ‏{‏ولسوف يعطيك ربك فترضى‏}‏‏.‏‏.‏

ويمضي سياق السورة يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان من شأن ربه معه منذ أول الطريق‏.‏ ليستحضر في خاطره جميل صنع ربه به، ومودته له، وفيضه عليه، ويستمتع باستعادة مواقع الرحمة والود والإيناس الإلهي‏.‏ وهو متاع فائق تحييه الذكرى على هذا النحو البديع‏:‏

‏{‏ألم يجدك يتيماً فآوى‏؟‏ ووجدك ضالاً فهدى‏.‏ ووجدك عائلاً فأغنى‏؟‏‏}‏‏.‏

انظر في واقع حالك، وماضي حياتك‏.‏‏.‏ هل ودعك ربك وهل قلاك حتى قبل أن يعهد إليك بهذا الأمر‏؟‏ ألم تحط يتمك رعايته‏؟‏ ألم تدرك حيرتك هدايته‏؟‏ ألم يغمر فقرك عطاؤه‏؟‏

لقد ولدت يتيماً فآواك إليه، وعطف عليك القلوب حتى قلوب عمك أبي طالب وهو على غير دينك‏!‏

ولقد كنت فقيراً فأغنى الله نفسك بالقناعة، كما أغناك بكسبك ومال أهل بيتك ‏(‏خديجة رضي الله عنها‏)‏ عن أن تحس الفقر، أو تتطلع إلى ما حولك من ثراء‏!‏

ثم لقد نشأت في جاهلية مضطربة التصورات والعقائد، منحرفة السلوك والأوضاع، فلم تطمئن روحك إليها‏.‏ ولكنك لم تكن تجد لك طريقاً واضحاً مطمئناً‏.‏ لا فيما عند الجاهلية ولا فيما عند أتباع موسى وعيسى الذين حرفوا وبدلوا وانحرفوا وتاهوا‏.‏‏.‏ ثم هداك الله بالأمر الذي أوحى به إليك، وبالمنهج الذي يصلك به‏.‏

والهداية من حيرة العقيدة وضلال الشعاب فيها هي المنة الكبرى، التي لا تعدلها منة؛ وهي الراحة والطمأنينة من القلق الذي لا يعدله قلق؛ ومن التعب الذي لا يعدله تعب، ولعلها كانت بسبب مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعانيه في هذه الفترة، من انقطاع الوحي وشماتة المشركين ووحشة الحبيب من الحبيب‏.‏ فجاءت هذه تذكره وتطمئنه على أن ربه لن يتركه بلا وحي في التيه وهو لم يتركه من قبل في الحيرة والتيه‏!‏

وبمناسبة ما ذكره ربه بإيوائه من اليتم، وهدايته من الحيرة وإغنائه من العيلة‏.‏‏.‏ يوجهه ويوجه المسلمين من ورائه إلى رعاية كل يتيم، وإلى كفاية كل سائل، وإلى التحدث بنعمة الله الكبرى عليه، وفي أولها‏:‏ الهداية إلى هذا الدين‏:‏

‏{‏فأما اليتيم فلا تقهر‏.‏ وأما السائل فلا تنهر‏.‏ وأما بنعمة ربك فحدث‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه التوجيهات إلى إكرام اليتيم والنهي عن قهره وكسر خاطره وإذلاله، وإلى إغناء السائل مع الرفق به والكرامة، كانت كما ذكرنا مراراً من أهم إيحاءات الواقع في البيئة الجاحدة المتكالبة، التي لا ترعى حق ضعيف، غير قادر على حماية حقه بسيفه‏!‏ حيث رفع الإسلام هذه البيئة بشرعة الله إلى الحق والعدل، والتحرج والتقوى، والوقوف عند حدود الله، الذي يحرس حدوده ويغار عليها ويغضب للاعتداء على حقوق عباده الضعاف الذين لا يملكون قوة ولا سيفا يذودون به عن هذه الحقوق‏.‏

وأما التحدث بنعمة الله وبخاصة نعمة الهدى والإيمان فهو صورة من صور الشكر للمنعم‏.‏ يكملها البر بعباده، وهو المظهر العملي للشكر، والحديث الصامت النافع الكريم‏.‏‏.‏

سورة الشرح

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ‏(‏1‏)‏ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ‏(‏2‏)‏ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ‏(‏3‏)‏ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ‏(‏4‏)‏ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ‏(‏5‏)‏ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ‏(‏6‏)‏ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ‏(‏7‏)‏ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ‏(‏8‏)‏‏}‏

نزلت هذه السورة بعد سورة الضحى‏.‏ وكأنها تكملة لها‏.‏ فيها ظل العطف الندي‏.‏ وفيها روح المناجاة الحبيب‏.‏ وفيها استحضار مظاهر العناية‏.‏ واستعراض مواقع الرعاية‏.‏ وفيها البشرى باليسر والفرج‏.‏ وفيها التوجيه إلى سر اليسر وحبل الاتصال الوثيق‏.‏‏.‏

‏{‏ألم نشرح لك صدرك‏؟‏ ووضعنا عنك وزرك‏.‏ الذي أنقض ظهرك‏؟‏ ورفعنا لك ذكرك‏؟‏‏}‏

وهي توحي بأن هناك ضائقة كانت في روح الرسول صلى الله عليه وسلم لأمر من أمور هذه الدعوة التي كلفها، ومن العقبات الوعرة في طريقها؛ ومن الكيد والمكر المضروب حولها‏.‏‏.‏ توحي بأن صدره صلى الله عليه وسلم كان مثقلاً بهموم هذه الدعوة الثقيلة، وأنه كان يحس العبء فادحاً على كاهله‏.‏ وأنه كان في حاجة إلى عون وزاد ورصيد‏.‏‏.‏

ثم كانت هذه المناجاة الحلوة، وهذا الحديث الودود‏!‏

‏{‏ألم نشرح لك صدرك‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ ألم نشرح صدرك لهذه الدعوة‏؟‏ ونيسر لك أمرها‏؟‏‏.‏ ونجعلها حبيبة لقلبك، ونشرع لك طريقها‏؟‏ وننر لك الطريق حتى ترى نهايته السعيدة‏!‏

فتش في صدرك ألا تجد فيه الروْح والانشراح والإشراق والنور‏؟‏ واستعد في حسك مذاق هذا العطاء، وقل‏:‏ ألا تجد معه المتاع مع كل مشقة والراحة مع كل تعب، واليسر مع كل عسر، والرضى مع كل حرمان‏؟‏

‏{‏ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك‏}‏‏.‏‏.‏ ووضعنا عنك عبئك الذي أثقل ظهرك حتى كاد يحطمه من ثقله‏.‏‏.‏ وضعناه عنك بشرح صدرك له فخف وهان‏.‏ وبتوفيقك وتيسيرك للدعوة ومداخل القلوب‏.‏‏.‏ وبالوحي الذي يكشف لك عن الحقيقة ويعينك على التسلل بها إلى النفوس في يسر وهوادة ولين‏.‏

ألا تجد ذلك العبء الذي أنقض ظهرك‏؟‏ ألا تجد عبئك خفيفاً بعد أن شرحنا لك صدرك‏؟‏

‏{‏ورفعنا لك ذكرك‏}‏‏.‏‏.‏ رفعناه في الملأ الأعلى، ورفعناه في الأرض، ورفعناه في هذا الوجود جميعاً‏.‏‏.‏ رفعناه فجعلنا اسمك مقروناً باسم الله كلما تحركت به الشفاه‏:‏

«لا إله إلا الله‏.‏ محمد رسول الله»‏.‏‏.‏ وليس بعد هذا رفع، وليس وراء هذا منزلة‏.‏ وهو المقام الذي تفرد به صلى الله عليه وسلم دون سائر العالمين‏.‏‏.‏

ورفعنا لك ذكرك في اللوح المحفوظ، حين قدر الله أن تمر القرون، وتكر الأجيال، وملايين الشفاه في كل مكان تهتف بهذا الاسم الكريم، مع الصلاة والتسليم، والحب العميق العظيم‏.‏

ورفعنا لك ذكرك‏.‏ وقد ارتبط بهذا المنهج الإلهي الرفيع‏.‏ وكان مجرد الاختيار لهذا الأمر رفعة ذكر لم ينلها أحد من قبل ولا من بعد في هذا الوجود‏.‏‏.‏

فأين تقع المشقة والتعب والضنى من هذا العطاء الذي يمسح على كل مشقة وكل عناء‏؟‏

ومع هذا فإن الله يتلطف مع حبيبه المختار، ويسري عنه، ويؤنسه، ويطمئنه ويطلعه على اليسر الذي لا يفارقه‏:‏

‏{‏فإن مع العسر يسرا‏.‏

إن مع العسر يسرا‏}‏‏.‏‏.‏

إن العسر لا يخلو من يسر يصاحبه ويلازمه‏.‏ وقد لازمه معك فعلاً‏.‏ فحينما ثقل العبء شرحنا لك صدرك، فخف حملك، الذي أنقض ظهرك‏.‏ وكان اليسر مصاحباً للعسر، يرفع إصره، ويضع ثقله‏.‏

وإنه لأمر مؤكد يكرره بألفاظه‏:‏ ‏{‏فإن مع العسر يسرا‏.‏ إن مع العسر يسرا‏}‏‏.‏‏.‏ وهذا التكرار يشي بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في عسرة وضيق ومشقة، اقتضت هذه الملاحظة، وهذا التذكير، وهذا الاستحضار لمظاهر العناية، وهذا الاستعراض لمواقع الرعاية، وهذا التوكيد بكل ضروب التوكيد‏.‏‏.‏ والأمر الذي يثقل على نفس محمد هكذا لا بد أنه كان أمراً عظيماً‏.‏‏.‏

ثم يجيء التوجيه الكريم لمواقع التيسير، وأسباب الانشراح، ومستودع الري والزاد في الطريق الشاق الطويل‏:‏

‏{‏فإذا فرغت فانصب‏.‏ وإلى ربك فارغب‏}‏‏.‏‏.‏

إن مع العسر يسرا‏.‏‏.‏ فخذ في أسباب اليسر والتيسير‏.‏ فإذا فرغت من شغلك مع الناس ومع الأرض، ومع شواغل الحياة‏.‏‏.‏ إذا فرغت من هذا كله فتوجه بقلبك كله إذن إلى ما يستحق أن تنصب فيه وتكد وتجهد‏.‏‏.‏ العبادة والتجرد والتطلع والتوجه‏.‏‏.‏ ‏{‏وإلى ربك فارغب‏}‏‏.‏‏.‏ إلى ربك وحده خالياً من كل شيء حتى من أمر الناس الذين تشتغل بدعوتهم‏.‏‏.‏ إنه لا بد من الزاد للطريق‏.‏ وهنا الزاد‏.‏ ولا بد من العدة للجهاد‏.‏ وهنا العدة‏.‏‏.‏ وهنا ستجد يسرا مع كل عسر، وفرجاً مع كل ضيق‏.‏‏.‏ هذا هو الطريق‏!‏

وتنتهي هذه السورة كما انتهت سورة الضحى، وقد تركت في النفس شعورين ممتزجين‏:‏ الشعور بعظمة الود الحبيب الجليل الذي ينسم على روح الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه الودود الرحيم‏.‏ والشعور بالعطف على شخصه صلى الله عليه وسلم ونحن نكاد نلمس ما كان يساور قلبه الكريم في هذه الآونة التي اقتضت ذلك الود الجميل‏.‏

إنها الدعوة‏.‏ هذه الأمانة الثقيلة وهذا العبء الذي ينقض الظهر‏.‏ وهي مع هذا وهذا مشرق النور الإلهي ومهبطه، ووصلة الفناء بالبقاء، والعدم بالوجود‏!‏

سورة التين

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ‏(‏1‏)‏ وَطُورِ سِينِينَ ‏(‏2‏)‏ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ‏(‏3‏)‏ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ‏(‏4‏)‏ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ‏(‏5‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ‏(‏6‏)‏ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ‏(‏7‏)‏ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

الحقيقة الرئيسية التي تعرضها هذه السورة هي حقيقة الفطرة القويمة التي فطر الله الإنسان عليها، واستقامة طبيعتها مع طبيعة الإيمان، والوصول بها معه إلى كمالها المقدور لها‏.‏ وهبوط الإنسان وسفوله حين ينحرف عن سواء الفطرة واستقامة الإيمان‏.‏

ويقسم الله سبحانه على هذه الحقيقة بالتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين، وهذا القسم على ما عهدنا في كثير من سور هذا الجزء هو الإطار الذي تعرض فيه تلك الحقيقة‏.‏ وقد رأينا في السور المماثلة أن الإطار يتناسق مع الحقيقة التي تعرض فيه تناسقاً دقيقاً‏.‏

وطور سينين هو الطور الذي نودي موسى عليه السلام من جانبه‏.‏ والبلد الأمين هو مكة بيت الله الحرام‏.‏‏.‏ وعلاقتهما بأمر الدين والإيمان واضحة‏.‏‏.‏ فأما التين والزيتون فلا يتضح فيهما هذا الظل فيما يبدو لنا‏.‏

وقد كثرت الأقوال المأثورة في التين والزيتون‏.‏‏.‏ قيل‏:‏ إن التين إشارة إلى طورتينا بجوار دمشق‏.‏

وقيل‏:‏ هو إشارة إلى شجرة التين التي راح آدم وزوجه يخصفان من ورقها على سوآتهما في الجنة التي كانا فيها قبل هبوطهما إلى هذه الحياة الدنيا‏.‏ وقيل‏:‏ هو منبت التين في الجبل الذي استوت عليه سفينة نوح عليه السلام‏.‏

وقيل في الزيتون‏:‏ إنه إشارة إلى طورزيتا في بيت المقدس‏.‏ وقيل‏:‏ هو إشارة إلى بيت المقدس نفسه‏.‏ وقيل‏:‏ هو إشارة إلى غصن الزيتون الذي عادت به الحمامة التي أطلقها نوح عليه السلام من السفينة لترتاد حالة الطوفان‏.‏ فلما عادت ومعها هذا الغصن عرف أن الأرض انكشفت وأنبتت‏!‏

وقيل‏:‏ بل التين والزيتون هما هذان الأكلان اللذان نعرفهما بحقيقتهما‏.‏ وليس هناك رمز لشيء وراءهما‏.‏‏.‏ أو أنهما هما رمز لمنبتهما من الأرض‏.‏‏.‏

وشجرة الزيتون أشير إليها في القرآن في موضع آخر بجوار الطور‏:‏ فقال‏:‏ ‏{‏وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين‏}‏ كما ورد ذكر الزيتون‏:‏ ‏{‏وزيتوناً ونخلاً‏}‏ فأما «التين» فذكره يرد في هذا الموضع لأول مرة وللمرة الوحيدة في القرآن كله‏.‏

ومن ثم فإننا لا نملك أن نجزم بشيء في هذا الأمر‏.‏ وكل ما نملك أن نقوله اعتماداً على نظائر هذا الإطار في السور القرآنية‏:‏ إن الأقرب أن يكون ذكر التين والزيتون إشارة إلى أماكن أو ذكريات ذات علاقة بالدين والإيمان‏.‏ أو ذات علاقة بنشأة الإنسان في أحسن تقويم ‏(‏وربما كان ذلك في الجنة التي بدأ فيها حياته‏)‏‏.‏‏.‏ كي تلتئم هذه الإشارة مع الحقيقة الرئيسية البارزة في السورة؛ ويتناسق الإطار مع الحقيقة الموضوعة في داخله‏.‏ على طريقة القرآن‏.‏‏.‏‏.‏

فأما الحقيقة الداخلية في السورة فهي هذه‏:‏ ‏{‏لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم‏.‏ ثم رددناه أسفل سافلين‏.‏

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون‏}‏‏.‏‏.‏

ومنها تبدو عناية الله بخلق هذا الإنسان ابتداء في أحسن تقويم‏.‏ والله سبحانه أحسن كل شيء خلقه‏.‏ فتخصيص الإنسان هنا وفي مواضع قرآنية أخرى بحسن التركيب، وحسن التقويم، وحسن التعديل‏.‏‏.‏ فيه فضل عناية بهذا المخلوق‏.‏

وإن عناية الله بأمر هذا المخلوق على ما به من ضعف وعلى ما يقع منه من انحراف عن الفطرة وفساد لتشير إلى أن له شأناً عند الله، ووزناً في نظام هذا الوجود‏.‏ وتتجلى هذه العناية في خلقه وتركيبه على هذا النحو الفائق، سواء في تكوينه الجثماني البالغ الدقة والتعقيد، أم في تكوينه العقلي الفريد، أم في تكوينه الروحي العجيب‏.‏

والتركيز في هذا المقام على خصائصه الروحية‏.‏ فهي التي تنتكس إلى أسفل سافلين حين ينحرف عن الفطرة ويحيد عن الإيمان المستقيم معها‏.‏ إذ إنه من الواضح أن خلقته البدنية لا تنتكس إلى أسفل سافلين‏.‏

وفي هذه الخصائص الروحية يتجلى تفوق التكوين الإنساني‏.‏ فهو مهيأ لأن يبلغ من الرفعة مدى يفوق مقام الملائكة المقربين‏.‏ كما تشهد بذلك قصة المعراج‏.‏‏.‏ حيث وقف جبريل عليه السلام عند مقام، وارتفع محمد بن عبد الله الإنسان إلى المقام الأسنى‏.‏

بينما هذا الإنسان مهيأ حين ينتكس لأن يهوي إلى الدرك الذي لا يبلغ إليه مخلوق قط‏:‏ ‏{‏ثم رددناه أسفل سافلين‏}‏‏.‏‏.‏ حيث تصبح البهائم أرفع منه وأقوم، لاستقامتها على فطرتها، وإلهامها تسبيح ربها، وأداء وظيفتها في الأرض على هدى‏.‏ بينما هو المخلوق في أحسن تقويم، يجحد ربه، ويرتكس مع هواه، إلى درك لا تملك البهيمة أن ترتكس إليه‏.‏

‏{‏لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم‏}‏‏.‏‏.‏ فطرة واستعداداً‏.‏‏.‏ ‏{‏ثم رددناه أسفل سافلين‏}‏‏.‏‏.‏ حين ينحرف بهذه الفطرة عن الخط الذي هداه الله إليه، وبينه له، وتركه ليختار أحد النجدين‏.‏

‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏‏.‏‏.‏ فهؤلاء هم الذين يبقون على سواء الفطرة، ويكملونها بالإيمان والعمل الصالح، ويرتقون بها إلى الكمال المقدر لها، حتى ينتهوا بها إلى حياة الكمال في دار الكمال‏.‏ ‏{‏فلهم أجر غير ممنون‏}‏ دائم غير مقطوع‏.‏

فأما الذين يرتكسون بفطرتهم إلى أسفل سافلين، فيظلون ينحدرون بها في المنحدر، حتى تستقر في الدرك الأسفل‏.‏ هناك في جهنم، حيث تهدر آدميتهم، ويتمحضون للسفول‏!‏

فهذه وتلك نهايتان طبيعيتان لنقطة البدء‏.‏‏.‏ إما استقامة على الفطرة القويمة‏.‏ وتكميل لها بالإيمان، ورفع لها بالعمل الصالح‏.‏‏.‏ فهي واصلة في النهاية إلى كمالها المقدر في حياة النعيم‏.‏‏.‏ وإما انحراف عن الفطرة القويمة، واندفاع مع النكسة، وانقطاع عن النفخة الإلهية‏.‏‏.‏ فهي واصلة في النهاية إلى دركها المقرر في حياة الجحيم‏.‏

ومن ثم تتجلى قيمة الإيمان في حياة الإنسان‏.‏‏.‏ إنه المرتقى الذي تصل فيه الفطرة القويمة إلى غاية كمالها‏.‏

إنه الحبل الممدود بين الفطرة وبارئها‏.‏ إنه النور الذي يكشف لها مواقع خطاها في المرتقى الصاعد إلى حياة الخالدين المكرمين‏.‏

وحين ينقطع هذا الحبل، وحين ينطفئ هذا النور، فالنتيجة الحتمية هي الارتكاس في المنحدر الهابط إلى أسفل سافلين، والانتهاء إلى إهدار الآدمية كلية، حين يتمحض الطين في الكائن البشري، فإذا هو وقود النار مع الحجارة سواء بسواء‏!‏

وفي ظل هذه الحقيقة ينادى «الإنسان»‏:‏

‏{‏فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

فما يكذبك بالدين بعد هذه الحقيقة‏؟‏ وبعد إدراك قيمة الإيمان في حياة البشرية‏؟‏ وبعد تبين مصير الذين لا يؤمنون، ولا يهتدون بهذا النور، ولا يمسكون بحبل الله المتين‏؟‏

‏{‏أليس الله بأحكم الحاكمين‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ أليس الله بأعدل العادلين حين يحكم في أمر الخلق على هذا النحو‏؟‏ أو‏.‏‏.‏ أليست حكمة الله بالغة في هذا الحكم على المؤمنين وغير المؤمنين‏؟‏

والعدل واضح‏.‏ والحكمة بارزة‏.‏‏.‏ ومن ثم ورد في الحديث المرفوع عن أبي هريرة‏:‏ «فإذا قرأ أحدكم ‏{‏والتين والزيتون‏}‏ فأتى آخرها‏:‏ ‏{‏أليس الله بأحكم الحاكمين‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ فليقل‏.‏‏.‏ بلى وأنا على ذلك من الشاهدين»‏.‏‏.‏

سورة العلق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 19‏]‏

‏{‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ‏(‏1‏)‏ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ‏(‏2‏)‏ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ‏(‏3‏)‏ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ‏(‏4‏)‏ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ‏(‏5‏)‏ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ‏(‏6‏)‏ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ‏(‏7‏)‏ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ‏(‏8‏)‏ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ‏(‏9‏)‏ عَبْدًا إِذَا صَلَّى ‏(‏10‏)‏ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ‏(‏11‏)‏ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ‏(‏12‏)‏ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ‏(‏13‏)‏ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ‏(‏14‏)‏ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ ‏(‏15‏)‏ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ‏(‏16‏)‏ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ‏(‏17‏)‏ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ‏(‏18‏)‏ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ‏(‏19‏)‏‏}‏

مطلع هذه السورة هو أول ما نزل من القرآن باتفاق‏.‏ والروايات التي تذكر نزول غيرها ابتداء ليست وثيقة‏.‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر بن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏

«أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح‏.‏ ثم حبب إليه الخلاء‏.‏ وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود إلى ذلك‏.‏ ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها‏.‏ حتى جاءه الحق وهو في غار حراء‏.‏ فجاءه الملك، فقال‏:‏» اقرأ‏.‏ قال‏:‏ ما أنا بقارئ، قال‏:‏ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد‏.‏ ثم أرسلني فقال‏:‏ اقرأ‏.‏ فقلت‏:‏ ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال‏:‏ اقرأ‏.‏ فقلت‏:‏ ما أنا بقارئ‏.‏ فأخذني فغطني الثالثة، ثم قال‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم ربك الذي خلق‏.‏ خلق الإنسان من علق‏.‏ اقرأ وربك الأكرم‏.‏ الذي علم بالقلم‏.‏ علم الإنسان ما لم يعلم‏}‏ «‏.‏ فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال» زملوني زملوني «فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال‏:‏ يا خديجة مالي‏؟‏ وأخبرها الخبر‏.‏ وقال‏:‏» قد خشيت على نفسي «فقالت له‏:‏ كلا‏.‏ أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً‏.‏ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق‏.‏ ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها‏.‏ وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية‏.‏ كان يكتب الكتاب العربي، وكتب العبرانية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب وكان شيخاً كبيراً قد عمي‏.‏ فقالت خديجة‏:‏ أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة‏:‏ ابن أخي، ما ترى‏؟‏ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رأى‏.‏ فقال ورقة‏:‏ هذا الناموس الذي أنزل على موسى‏.‏ ليتني فيها جذع، ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏» أو مخرجي هم‏؟‏ «فقال ورقة‏:‏ نعم‏.‏ لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عُودِيَ، وإن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً‏.‏ ثم لم ينشب ورقة أن توفي‏.‏‏.‏ الخ»‏.‏ وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري‏.‏‏.‏

وروى الطبري بإسناده عن عبد الله بن الزبير‏.‏ قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

«فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب‏.‏ فقال‏:‏ اقرأ‏.‏ فقلت‏:‏ ما أقرأ‏.‏ فغتني حتى ظننت أنه الموت‏.‏ ثم أرسلني فقال‏:‏ اقرأ‏.‏ فقلت‏:‏ ماذا أقرأ‏؟‏ وما أقول ذلك إلا افتداء من أن يعود إليّ بمثل ما صنع بي‏.‏ قال‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم ربك الذي خلق‏.‏‏.‏ إلى قوله‏:‏ علم الإنسان ما لم يعلم‏}‏ قال‏:‏ فقرأته‏.‏ ثم انتهى، ثم انصرف عني‏.‏ وهببت من نومي، وكأنما كتب في قلبي كتاباً‏.‏ قال‏:‏ ولم يكن من خلق الله أبغض علي من شاعر أو مجنون‏.‏ كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال‏:‏ قلت‏:‏ إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون‏!‏ لا تحدث بها عني قريش أبداً‏!‏ لأعمدنَّ إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن‏!‏ قال‏:‏ فخرجت أريد ذلك‏.‏ حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول‏:‏ يا محمد‏.‏ أنت رسول الله وأنا جبريل‏.‏ قال فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول‏:‏ يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل‏.‏ قال‏:‏ فوقفت أنظر إليه، وشغلني ذلك عما أردت، فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك‏.‏ فما زلت واقفاً ما أتقدم أمامي، ولا أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني‏.‏ ثم انصرف عني وانصرفت راجعاً إلى أهلي‏.‏‏.‏»‏.‏

وقد رواه ابن إسحاق مطولاً عن وهب بن كيسان عن عبيد أيضاً‏.‏‏.‏

وقفت هنا أمام هذا الحادث الذي طالما قرأناه في كتب السيرة وفي كتب التفسير، ثم مررنا به وتركناه، أو تلبثنا عنده قليلاً ثم جاوزناه‏!‏

إنه حادث ضخم‏.‏ ضخم جداً‏.‏ ضخم إلى غير حد‏.‏ ومهما حاولنا اليوم أن نحيط بضخامته، فإن جوانب كثيرة منه ستظل خارج تصورنا‏!‏

إنه حادث ضخم بحقيقته‏.‏ وضخم بدلالته‏.‏ وضخم بآثاره في حياة البشرية جميعاً‏.‏‏.‏ وهذه اللحظة التي تم فيها هذا الحادث تعد بغير مبالغة هي أعظم لحظة مرت بهذه الأرض في تاريخها الطويل‏.‏

ما حقيقة هذا الحادث الذي تم في هذه اللحظة‏؟‏

حقيقته أن الله جل جلاله، العظيم الجبار القهار المتكبر، مالك الملك كله، قد تكرم في عليائه فالتفت إلى هذه الخليقة المسماة بالإنسان، القابعة في ركن من أركان الكون لا يكاد يرى اسمه الأرض‏.‏ وكرّم هذه الخليقة باختيار واحد منها ليكون ملتقى نوره الإلهي، ومستودع حكمته، ومهبط كلماته، وممثل قدره الذي يريده سبحانه بهذه الخليقة‏.‏

وهذه حقيقة كبيرة‏.‏ كبيرة إلى غير حد‏.‏ تتكشف جوانب من عظمتها حين يتصور الإنسان قدر طاقته حقيقة الألوهية المطلقة الأزلية الباقية‏.‏

ويتصور في ظلها حقيقة العبودية المحدودة الحادثة الفانية‏.‏ ثم يستشعر وقع هذه العناية الربانية بهذا المخلوق الإنساني؛ ويتذوق حلاوة هذا الشعور؛ ويتلقاه بالخشوع والشكر والفرح والابتهال‏.‏‏.‏ وهو يتصور كلمات الله، تتجاوب بها جنبات الوجود كله، منزّلة لهذا الإنسان في ذلك الركن المنزوي من أركان الوجود الضئيلة‏!‏

وما دلالة هذا الحادث‏؟‏

دلالته في جانب الله سبحانه أنه ذو الفضل الواسع، والرحمة السابغة، الكريم الودود المنان‏.‏ يفيض من عطائه ورحمته بلا سبب ولا علة، سوى أن الفيض والعطاء بعض صفاته الذاتية الكريمة‏.‏

ودلالته في جانب الإنسان أن الله سبحانه قد أكرمه كرامة لا يكاد يتصورها، ولا يملك أن يشكرها‏.‏ وأن هذه وحدها لا ينهض لها شكره ولو قضى عمره راكعاً ساجداً‏.‏‏.‏ هذه‏.‏‏.‏ أن يذكره الله، ويلتفت إليه، ويصله به، ويختار من جنسه رسولاً يوحي إليه بكلماته‏.‏ وأن تصبح الأرض‏.‏‏.‏ مسكنه‏.‏‏.‏ مهبطاً لهذه الكلمات التي تتجاوب بها جنبات الوجود في خشوع وابتهال‏.‏

فأما آثار هذا الحادث الهائل في حياة البشرية كلها فقد بدأت منذ اللحظة الأولى‏.‏ بدأت في تحويل خط التاريخ، منذ أن بدأت في تحويل خط الضمير الإنساني‏.‏‏.‏ منذ أن تحددت الجهة التي يتطلع إليها الإنسان ويتلقى عنها تصوراته وقيمه وموازينه‏.‏‏.‏ إنها ليست الأرض وليس الهوى‏.‏‏.‏ إنما هي السماء والوحي الإلهي‏.‏

ومنذ هذه اللحظة عاش أهل الأرض الذين استقرت في أرواحهم هذه الحقيقة‏.‏‏.‏ في كنف الله ورعايته المباشرة الظاهرة‏.‏ عاشوا يتطلعون إلى الله مباشرة في كل أمرهم‏.‏ كبيره وصغيره‏.‏ يحسون ويتحركون تحت عين الله‏.‏ ويتوقعون أن تمتد يده سبحانه فتنقل خطاهم في الطريق خطوة خطوة‏.‏ تردهم عن الخطأ وتقودهم إلى الصواب‏.‏‏.‏ وفي كل ليلة كانوا يبيتون في ارتقاب أن يتنزل عليهم من الله وحي يحدثهم بما في نفوسهم، ويفصل في مشكلاتهم، ويقول لهم‏:‏ خذوا هذا ودعوا ذاك‏!‏

ولقد كانت فترة عجيبة حقاً‏.‏ فترة الثلاثة والعشرين عاماً التالية، التي استمرت فيها هذه الصلة الظاهرة المباشرة بين البشر والملأ الأعلى‏.‏ فترة لا يتصور حقيقتها إلا الذين عاشوها‏.‏ وأحسوها‏.‏ وشهدوا بدأها ونهايتها‏.‏ وذاقوا حلاوة هذا الاتصال‏.‏ وأحسوا يد الله تنقل خطاهم في الطريق‏.‏ ورأوا من أين بدأوا وإلى أين انتهوا‏.‏‏.‏ وهي مسافة هائلة لا تقاس بأي مقياس من مقاييس الأرض‏.‏ مسافة في الضمير لا تعدلها مسافة في الكون الظاهر، ولا يماثلها بعد بين الأجرام والعوالم‏!‏ المسافة بين التلقي من الأرض والتلقي من السماء‏.‏ بين الاستمداد من الهوى والاستمداد من الوحي‏.‏ بين الجاهلية والإسلام‏.‏ بين البشرية والربانية، وهي أبعد مما بين الأرض والسماء في عالم الأجرام‏!‏

وكانوا يعرفون مذاقها‏.‏ ويدركون حلاوتها‏.‏ ويشعرون بقيمتها، ويحسون وقع فقدانها حينما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وانقطعت هذه الفترة العجيبة التي لا يكاد العقل يتصورها لولا أنها وقعت حقاً‏.‏

عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق بنا إلى أم أيمن رضي الله عنها نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها‏.‏ فلما أتيا إليها بكت‏.‏ فقالا لها‏:‏ ما يبكيك‏؟‏ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قالت‏:‏ بلى، إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسول- صلى الله عليه وسلم- ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء‏.‏ فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها‏.‏‏.‏‏.‏ ‏(‏أخرجه مسلم‏)‏‏.‏‏.‏

ولقد ظلت آثار هذه الفترة تعمل في حياة البشر منذ تلك اللحظة إلى هذه اللحظة، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها‏.‏

لقد ولد الإنسان من جديد باستمداد قيمه من السماء لا من الأرض، واستمداد شريعته من الوحي لا من الهوى‏.‏

لقد تحول خط التاريخ كما لم يتحول من قبل قط، وكما لم يتحول من بعد أيضاً‏.‏ وكان هذا الحدث هو مفرق الطريق‏.‏ وقامت المعالم في الأرض واضحة عالية لا يطمسها الزمان، ولا تطمسها الأحداث‏.‏ وقام في الضمير الإنساني تصور للوجود وللحياة وللقيم لم يسبق أن اتضح بمثل هذه الصورة‏.‏ ولم يجيء بعده تصور في مثل شموله ونصاعته وطلاقته من اعتبارات الأرض جميعاً، مع واقعيته وملاءمته للحياة الإنسانية‏.‏ ولقد استقرت قواعد هذا المنهج الإلهي في الأرض‏!‏ وتبينت خطوطه ومعالمه‏.‏ ‏{‏ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة‏}‏ لا غموض ولا إبهام‏.‏ إنما هو الضلال عن علم، والانحراف عن عمد، والالتواء عن قصد‏!‏

إنه الحادث الفذ في تلك اللحظة الفريدة‏.‏ الحادث الكوني الذي ابتدأ به عهد في هذه الأرض وانتهى عهد‏.‏ والذي كان فرقاناً في تاريخ البشر لا في تاريخ أمة ولا جيل، والذي سجلته جنبات الوجود كله وهي تتجاوب به، وسجله الضمير الإنساني‏.‏ وبقي أن يتلفت هذا الضمير اليوم على تلك الذكرى العظيمة ولا ينساها‏.‏ وأن يذكر دائماً أنه ميلاد جديد للإنسانية لم يشهده إلا مرة واحدة في الزمان‏.‏‏.‏

ذلك شأن المقطع الأول من السورة‏.‏ فأما بقيتها فواضح أنها نزلت فيما بعد‏.‏ فهي تشير إلى مواقف وحوادث في السيرة لم تجيء إلا متأخرة، بعد تكليف الرسول صلى الله عليه وسلم إبلاغ الدعوة، والجهر بالعبادة، وقيام المشركين بالمعارضة‏.‏ وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في السورة‏:‏ ‏{‏أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ الخ

ولكن هناك تناسقاً كاملاً بين أجزاء السورة، وتسلسلاً في ترتيب الحقائق التي تضمنتها بعد هذا المطلع المتقدم‏.‏

يجعل من السورة كلها وحدة منسقة متماسكة‏.‏‏.‏

‏{‏اقرأ باسم ربك الذي خلق‏.‏ خلق الإنسان من علق‏.‏ اقرأ وربك الأكرم‏.‏ الذي علم بالقلم‏.‏ علم الإنسان ما لم يعلم‏}‏‏.‏‏.‏

إنها السورة الأولى من هذا القرآن، فهي تبدأ باسم الله‏.‏ وتوجه الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما توجه، في أول لحظة من لحظات اتصاله بالملأ الأعلى، وفي أول خطوة من خطواته في طريق الدعوة التي اختير لها‏.‏‏.‏ توجهه إلى أن يقرأ باسم الله‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم ربك‏}‏‏.‏‏.‏

وتبدأ من صفات الرب بالصفة التي بها الخلق والبدء‏:‏ ‏{‏الذي خلق‏}‏‏.‏

ثم تخصص‏:‏ خلق الإنسان ومبدأه‏:‏ ‏{‏خلق الإنسان من علق‏}‏‏.‏‏.‏ من تلك النقطة الدموية الجامدة العالقة بالرحم‏.‏ من ذلك المنشأ الصغير الساذج التكوين‏.‏ فتدل على كرم الخالق فوق ما تدل على قدرته‏.‏ فمن كرمه رفع هذا العلق إلى درجة الإنسان الذي يُعلم فيتعلم‏:‏ ‏{‏اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم‏.‏ علم الإنسان ما لم يعلم‏}‏‏.‏‏.‏

وإنها لنقلة بعيدة جداً بين المنشأ والمصير‏.‏ ولكن الله قادر‏.‏ ولكن الله كريم‏.‏ ومن ثم كانت هذه النقلة التي تدير الرؤوس‏!‏

وإلى جانب هذه الحقيقة تبرز حقيقة التعليم‏.‏‏.‏ تعليم الرب للإنسان ‏{‏بالقلم‏}‏‏.‏‏.‏ لأن القلم كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثراً في حياة الإنسان‏.‏‏.‏ ولم تكن هذه الحقيقة إذ ذاك بهذا الوضوح الذي نلمسه الآن ونعرفه في حياة البشرية‏.‏ ولكن الله سبحانه كان يعلم قيمة القلم، فيشير إليه هذه الإشارة في أول لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة للبشرية‏.‏ في أول سورة من سور القرآن الكريم‏.‏‏.‏ هذا مع أن الرسول الذي جاء بها لم يكن كاتباً بالقلم، وما كان ليبرز هذه الحقيقة منذ اللحظة الأولى لو كان هو الذي يقول هذا القرآن‏.‏ لولا أنه الوحي، ولولا أنها الرسالة‏!‏

ثم تبرز مصدر التعليم‏.‏‏.‏ إن مصدره هو الله‏.‏ منه يستمد الإنسان كل ما علم، وكل ما يعلم‏.‏ وكل ما يفتح له من أسرار هذا الوجود، ومن أسرار هذه الحياة، ومن أسرار نفسه‏.‏ فهو من هناك‏.‏ من ذلك المصدر الواحد، الذي ليس هناك سواه‏.‏

وبهذا المقطع الواحد الذي نزل في اللحظة الأولى من اتصال الرسول صلى الله عليه وسلم بالملأ الأعلى، بهذا المقطع وضعت قاعدة التصور الإيماني العريضة‏.‏‏.‏

كل أمر‏.‏ كل حركة‏.‏ كل خطوة‏.‏ كل عمل‏.‏ باسم الله‏.‏ وعلى اسم الله‏.‏ باسم الله تبدأ‏.‏ وباسم الله تسير‏.‏ وإلى الله تتجه، وإليه تصير‏.‏

والله هو الذي خلق‏.‏ وهو الذي علم‏.‏ فمنه البدء والنشأة، ومنه التعليم والمعرفة‏.‏‏.‏ والإنسان يتعلم ما يتعلم، ويعلم ما يعلم‏.‏‏.‏ فمصدر هذا كله هو الله الذي خلق والذي علم‏.‏‏.‏ ‏{‏علم الإنسان ما لم يعلم‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه الحقيقة القرأنية الأولى، التي تلقاها قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللحظة الأولى هي التي ظلت تصرف شعوره، وتصرف لسانه، وتصرف عمله واتجاهه، بعد ذلك طوال حياته‏.‏

بوصفها قاعدة الإيمان الأولى‏.‏

قال الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية في كتابه‏:‏ «زاد المعاد في هدي خير العباد» يلخص هدي رسول الله ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ في ذكر الله‏:‏

كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق ذكراً لله عز وجل‏.‏ بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه‏.‏ وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكراً منه لله، وإخباره عن أسماء الرب وصفاته وأحكامه وأفعاله ووعده ووعيده ذكراً منه له، وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وتحميده وتسبيحه ذكراً منه له، وسؤاله ودعاؤه إياه ورغبته ورهبته ذكراً منه له‏.‏ وسكوته وصمته ذكراً منه له بقلبه‏.‏ فكان ذاكراً لله في كل أحيانه وعلى جميع أحواله‏.‏ وكان ذكره لله يجري مع أنفاسه قائماً وقاعداً وعلى جنبه، وفي مشيته وركوبه، وسيره ونزوله، وظعنه وإقامته‏.‏

وكان إذا استيقظ قال‏:‏ «الحمد لله الذي أحياناً بعد ما أماتنا وإليه النشور‏.‏» وقالت عائشة كان إذا هب من الليل كبر عشراً، وهلل عشراً، ثم قال‏:‏ «اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة عشراً، ثم يستفتح الصلاة‏.‏ وقالت أيضاً‏:‏ كان إذا استيقظ من الليل قال‏:‏ لا إله إلا أنت سبحانك‏.‏ اللهم أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك‏.‏ اللهم زدني علماً‏.‏ ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب» «ذكرها أبو داود»‏.‏ وأخبر أن من استيقظ من الليل فقال‏:‏ «لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد وهوعلى كل شيء قدير، الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» ثم قال‏:‏ «اللهم أغفر لي»، أو دعاء آخر استجيب له‏.‏ فإن توضأ وصلى قبلت صلاته «ذكره البخاري»‏.‏

وقال ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم ليلة مبيته عنده‏:‏ إنه لما استيقظ رفع رأسه للسماء، وقال العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران‏.‏‏.‏ ‏{‏إن في خلق السماوات والأرض‏.‏‏.‏ الخ‏}‏ ثم قال‏.‏‏.‏ «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن‏.‏ ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن‏.‏ ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت‏.‏ أنت إلهي لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»‏.‏

وقد قالت عائشة رضي الله عنها كان إذا قام من الليل قال‏:‏ «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»‏.‏ وربما قالت‏:‏ كان يفتتح صلاته بذلك‏.‏

وكان إذا أوتر ختم وتره بعد فراغه بقوله‏:‏ «سبحان الله القدوس ‏(‏ثلاثاً‏)‏» ويمد بالثالثة صوته‏.‏

وكان إذا خرج من بيته يقول‏:‏ «بسم الله توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل، أو أظلم أو أُظلم، أو أجهل، أو يُجهل علي» ‏(‏حديث صحيح‏)‏‏.‏

«قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ من قال إذا خرج من بيته بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له‏:‏ هديت وكفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان» ‏(‏حديث حسن‏)‏‏.‏

وقال ابن عباس عنه ليلة مبيته عنده‏:‏ إنه خرج إلى صلاة الفجر وهو يقول‏:‏ «اللهم اجعل في قلبي نوراً، واجعل في لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، واجعل من تحتي نوراً‏.‏ اللهم أعظم لي نوراً»‏.‏

وقال فضل بن مرزوق عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري‏:‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ما خرج رجل من بيته إلى الصلاة فقال‏:‏ اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي إليك، فإني لم أخرج بطراً ولا أشراً ولا رياء ولا سمعة، وإنما خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت‏.‏ إلا وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له، وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته»‏.‏

وذكر أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم‏.‏ فإذا قال ذلك قال الشيطان‏:‏ حفظ مني سائر اليوم»‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا دخل أحدكم المسجد فليصل وليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل‏:‏ اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل‏:‏ اللهم إني أسألك من فضلك»‏.‏ وذكر عنه أنه كان إذا دخل المسجد صلى على محمد وآله وسلم، ثم يقول‏:‏ «اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك» فإذا خرج صلى على محمد وآله وسلم، ثم يقول‏:‏ «اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي باب فضلك»‏.‏

وكان إذا صلى الصبح جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس يذكر الله عز وجل‏.‏ وكان يقول إذا أصبح‏:‏ «اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك النشور» ‏(‏حديث صحيح‏)‏‏.‏ وكان يقول‏:‏ «أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير‏.‏ رب أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده، وأعوذ بك من شر هذا اليوم، وشر ما بعده؛ رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر‏.‏ وإذا أمسى قال‏:‏ أمسينا وأمسى الملك لله‏.‏‏.‏‏.‏ الخ» ‏(‏ذكره مسلم‏)‏‏.‏ وقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه مرني بكلمات أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت‏.‏ قال‏:‏ قل‏:‏ «اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء مليكه ومالكه‏.‏ أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم‏.‏ قال‏:‏ قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك» ‏(‏حديث صحيح‏)‏‏.‏ «ثم ذكر أحاديث كثيرة في هذا الباب»‏.‏

‏.‏‏.‏ وكان صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوباً سماه باسمه عمامة أو قميصاً أو رداء‏.‏ ثم يقول‏:‏ «اللهم لك الحمد، أنت كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، أعوذ بك من شره وشر ما صنع له»‏.‏ ‏(‏حديث صحيح‏)‏‏.‏

ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا انقلب إلى بيته‏:‏ «الحمد لله الذي كفاني وآواني، والحمد لله الذي أطعمني وسقاني، والحمد لله الذي منَّ علي‏.‏ أسألك أن تجيرني من النار»‏.‏

وثبت عنه في الصحيحين أنه كان يقول عند دخول الخلاء‏:‏ «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»‏.‏

وكان إذا خرج من الخلاء قال‏:‏ «غفرانك» ويذكر عنه أنه كان يقول‏:‏ «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» ‏(‏ذكره ابن ماجه‏)‏‏.‏

وثبت عنه أنه وضع يده في الإناء الذي فيه الماء، ثم قال للصحابه‏:‏ «توضأوا باسم الله»‏.‏

ويذكر عنه أنه كان يقول «عند رؤية الهلال»‏:‏ «اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله» ‏(‏قال الترمذي حديث حسن‏)‏‏.‏

وكان إذا وضع يده في الطعام قال‏:‏ «باسم الله» ويأمر الآكل بالتسمية ويقول‏:‏ «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل‏:‏ باسم الله في أوله وأخره» ‏(‏حديث صحيح‏)‏‏.‏

وهكذا كانت حياته كلها صلى الله عليه وسلم بدقائقها متأثرة بهذا التوجيه الإلهي الذي تلقاه في اللحظة الأولى‏.‏

وقام به تصوره الإيماني على قاعدته الأصيلة العريقة‏.‏‏.‏

ولقد كان من مقتضيات تلك الحقيقة‏:‏ حقيقة أن الله هو الذي خلق‏.‏ وهو الذي علم‏.‏ وهو الذي أكرم‏.‏ أن يعرف الإنسان‏.‏ ويشكر‏.‏ ولكن الذي حدث كان غير هذا، وهذا الانحراف هو الذي يتحدث عنه المقطع الثاني للسورة‏:‏

‏{‏كلا‏!‏ إن الإنسان ليطغى‏.‏ أن رآه استغنى‏.‏ إن إلى ربك الرجعى‏}‏‏.‏‏.‏

إن الذي أعطاه فأغناه هو الله‏.‏ كما أنه هو الذي خلقه وأكرمه وعلمه‏.‏ ولكن الإنسان في عمومه لا يستثنى إلا من يعصمه إيمانه لا يشكر حين يُعطى فيستغني؛ ولا يعرف مصدر النعمة التي أغنته، وهو المصدر الذي أعطاه خلقه وأعطاه علمه‏.‏‏.‏ ثم أعطاه رزقه‏.‏‏.‏ ثم هو يطغى ويفجر، ويبغي ويتكبر، من حيث كان ينبغي أن يعرف ثم يشكر‏.‏

وحين تبرز صورة الإنسان الطاغي الذي نسي نشأته وأبطره الغنى، يجيء التعقيب بالتهديد الملفوف‏:‏ ‏{‏إن إلى ربك الرجعى‏}‏ فأين يذهب هذا الذي طغى واستغنى‏؟‏

وفي الوقت ذاته تبرز قاعدة أخرى من قواعد التصور الإيماني‏.‏ قاعدة الرجعة إلى الله‏.‏ الرجعة إليه في كل شيء وفي كل أمر، وفي كل نية، وفي كل حركة‏.‏ فليس هناك مرجع سواه‏.‏ إليه يرجع الصالح والطالح‏.‏ والطائع والعاصي‏.‏ والمحق والمبطل‏.‏ والخير والشّرير‏.‏ والغني والفقير‏.‏‏.‏ وإليه يرجع هذا الذي يطغى أن رآه استغنى‏.‏ ألا إلى الله تصير الأمور‏.‏‏.‏ ومنه النشأة وإليه المصير‏.‏‏.‏

وهكذا تجتمع في المقطعين أطراف التصور الإيماني‏.‏‏.‏ الخلق والنشأة‏.‏ والتكريم والتعليم‏.‏‏.‏ ثم‏.‏‏.‏ الرجعة والمآب لله وحده بلا شريك‏:‏ ‏{‏إن إلى ربك الرجعى‏}‏‏.‏‏.‏

ثم يمضي المقطع الثالث في السورة القصيرة يعرض صورة من صور الطغيان‏:‏ صورة مستنكرة يعجب منها، ويفظع وقوعها في أسلوب قرآني فريد‏.‏

‏{‏أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى‏؟‏ أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى‏؟‏ أرأيت إن كذب وتولى‏؟‏ ألم يعلم بأن الله يرى‏؟‏‏}‏‏.‏

والتشنيع والتعجيب واضح في طريقة التعبير، التي تتعذر مجاراتها في لغة الكتابة‏.‏ ولا تؤدّى إلا في أسلوب الخطاب الحي‏.‏ الذي يعبر باللمسات المتقطعة في خفة وسرعة‏!‏

‏{‏أرأيت‏}‏‏؟‏ أرأيت هذا الأمر المستنكر‏؟‏ أرأيته يقع‏؟‏ ‏{‏أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى‏؟‏‏}‏‏.‏

أرأيت حين تضم شناعة إلى شناعة‏؟‏ وتضاف بشاعة إلى بشاعة‏؟‏ أرأيت إن كان هذا الذي يصلي ويتعرض له من ينهاه عن صلاته‏.‏‏.‏ إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى‏؟‏ ثم ينهاه من ينهاه‏.‏ مع أنه على الهدى، آمر بالتقوى‏؟‏‏.‏

أرأيت إن أضاف إلى الفعلة المستنكرة فعلة أخرى أشد نكراً‏؟‏ ‏{‏أرأيت إن كذب وتولى‏؟‏‏}‏‏.‏

هنا يجيء التهديد الملفوف كما جاء في نهاية المقطع الماضي‏:‏ ‏{‏ألم يعلم بأن الله يرى‏؟‏‏}‏ يرى تكذيبه وتوليه‏.‏ ويرى نهيه للعبد المؤمن إذا صلى، وهو على الهدى، آمر بالتقوى‏.‏

يرى‏.‏ وللرؤية ما بعدها‏!‏ ‏{‏ألم يعلم بأن الله يرى‏!‏‏}‏‏.‏

وأمام مشهد الطغيان الذي يقف في وجه الدعوة وفي وجه الإيمان، وفي وجه الطاعة، يجيء التهديد الحاسم الرادع الأخير، مكشوفاً في هذه المرة لا ملفوفاً‏:‏ ‏{‏كلا‏.‏ لئن لم ينته لنسفعن بالناصية‏.‏ ناصية كاذبة خاطئة‏.‏ فليدع ناديه‏.‏ سندع الزبانية‏}‏‏.‏

إنه تهديد في إبانه‏.‏ في اللفظ الشديد العنيف‏:‏ ‏{‏كلا‏.‏ لئن لم ينته لنسفعن بالناصية‏}‏‏.‏

هكذا ‏{‏لنسفعن‏}‏ بهذا اللفظ الشديد المصور بجرسه لمعناه‏.‏ والسفع‏:‏ الأخذ بعنف‏.‏ والناصية‏:‏ الجبهة‏.‏ أعلى مكان يرفعة الطاغية المتكبر‏.‏ مقدم الرأس المتشامخ‏:‏ إنها ناصية تستحق السفع والصرع‏:‏ ‏{‏ناصية كاذبة خاطئة‏}‏ ‏!‏ وإنها للحظة سفع وصرع‏.‏ فقد يخطر له أن يدعو من يعتز بهم من أهله وصحبه‏:‏ ‏{‏فليدع ناديه‏}‏ أما نحن فإننا ‏{‏سندع الزبانية‏}‏ الشداد الغلاظ‏.‏‏.‏ والمعركة إذن معروفة المصير‏!‏

وفي ضوء هذا المصير المتخيل الرعيب‏.‏‏.‏ تختم السورة بتوجيه المؤمن الطائع إلى الإصرار والثبات على إيمانه وطاعته‏.‏‏.‏

‏{‏كلا‏.‏ لا تطعه، واسجد، واقترب‏.‏‏}‏

كلا‏!‏ لا تطع هذا الطاغي الذي ينهى عن الصلاة والدعوة‏.‏ واسجد لربك واقترب منه بالطاعة والعبادة‏.‏ ودع هذا الطاغي‏.‏ الناهي‏.‏ دعه للزبانية‏!‏

ولقد وردت بعض الروايات الصحيحة بأن السورة عدا المقطع الأول منها قد نزلت في أبي جهل إذ مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي عند المقام‏.‏ فقال ‏(‏يا محمد‏.‏ ألم أنهك عن هذا‏؟‏ وتوعده‏.‏ فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهره‏.‏‏.‏‏)‏ ولعلها هي التي أخذ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بخناقه وقال به‏:‏ ‏{‏أولى لك ثم أولى‏}‏ فقال‏:‏ يا محمد بأي شيء تهددني‏؟‏ أما والله إني لأكثر هذا الوادي نادياً، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏فليدع نادية‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ وقال ابن عباس لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته‏.‏ ولكن دلالة السورة عامة في كل مؤمن طائع عابد داع إلى الله‏.‏ وكل طاغ باغ ينهى عن الصلاة، ويتوعد على الطاعة، ويختال بالقوة‏.‏‏.‏ والتوجيه الرباني الأخير ‏{‏كلا‏!‏ لا تطعه واسجد واقترب‏}‏‏.‏‏.‏

وهكذا تتناسق مقاطع السورة كلها وتتكامل إيقاعاتها‏.‏‏.‏

سورة القدر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ‏(‏1‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ‏(‏2‏)‏ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ‏(‏3‏)‏ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ‏(‏4‏)‏ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ‏(‏5‏)‏‏}‏

الحديث في هذه السورة عن تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال‏.‏ ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملأ الأعلى‏.‏ ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة ذات الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جميعاً‏.‏ العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري‏:‏ ‏{‏إنا أنزلناه في ليلة القدر‏.‏ وما أدراك ما ليلة القدر‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏ليلة القدر خير من ألف شهر‏}‏‏.‏‏.‏

والنصوص القرآنية التي تذكر هذا الحدث تكاد ترف وتنير‏.‏ بل هي تفيض بالنور الهادئ الساري الرائق الودود‏.‏ نور الله المشرق في قرآنه‏:‏ ‏{‏إنا أنزلناه في ليلة القدر‏}‏ ونور الملائكة والروح وهم في غدوهم ورواحهم طوال الليلة بين الأرض والملأ الأعلى‏:‏

‏{‏تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من أكل أمر‏}‏‏.‏‏.‏ ونور الفجر الذي تعرضه النصوص متناسقاً مع نور الوحي ونور الملائكة، وروح السلام المرفوف على الوجود وعلى الأرواح السارية في هذا الوجود‏:‏ ‏{‏سلام هي حتى مطلع الفجر‏}‏‏.‏‏.‏

والليلة التي تتحدث عنها السورة هي الليلة التي جاء ذكرها في سورة الدخان‏:‏ ‏{‏إنا أنزلناه في ليلة مباركة، إنا كنا منذرين، فيها يفرق كل أمر حكيم‏.‏ أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين‏.‏ رحمة من ربك إنه هو السميع العليم‏}‏ والمعروف أنها ليلة من ليالي رمضان، كما ورد في سورة البقرة‏:‏ ‏{‏شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان‏}‏ أي التي بدأ فيها نزول القرآن على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ليبلغه إلى الناس‏.‏ وفي رواية ابن إسحاق أن أول الوحي بمطلع سورة العلق كان في شهر رمضان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء‏.‏

وقد ورد في تعيين هذه الليلة آثار كثيرة‏.‏ بعضها يعين الليلة السابعة والعشرين من رمضان‏.‏ وبعضها يعين الليلة الواحدة والعشرين‏.‏ وبعضها يعينها ليلة من الليالي العشر الأخيرة‏.‏ وبعضها يطلقها في رمضان كله‏.‏ فهي ليلة من ليالي رمضان على كل حال في أرجح الآثار‏.‏

واسمها‏:‏ ‏{‏ليلة القدر‏}‏‏.‏‏.‏ قد يكون معناه التقدير والتدبير‏.‏ وقد يكون معناه القيمة والمقام‏.‏ وكلاهما يتفق مع ذلك الحدث الكوني العظيم‏.‏ حدث القرآن والوحي والرسالة‏.‏‏.‏ وليس أعظم منه ولا أقوم في أحداث هذا الوجود‏.‏ وليس أدل منه كذلك على التقدير والتدبير في حياة العبيد‏.‏ وهي خير من ألف شهر‏.‏ والعدد لا يفيد التحديد‏.‏ في مثل هذه المواضع من القرآن‏.‏ إنما هو يفيد التكثير‏.‏ والليلة خير من آلاف الشهور في حياة البشر‏.‏ فكم من آلاف السنين قد انقضت دون أن تترك في الحياة بعض ما تركته هذه الليلة المباركة السعيدة من آثار وتحولات‏.‏

والليلة من العظمة بحيث تفوق حقيقتها حدود الإدراك البشري‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما ليلة القدر‏؟‏‏}‏ وذلك بدون حاجة إلى التعلق بالأساطير التي شاعت حول هذه الليلة في أوهام العامة‏.‏ فهي ليلة عظيمة باختيار الله لها لبدء تنزيل هذا القرآن‏.‏ وإضافة هذا النور على الوجود كله، وإسباغ السلام الذي فاض من روح الله على الضمير البشري والحياة الإنسانية، وبما تضمنه هذا القرآن من عقيدة وتصور وشريعة وآداب تشيع السلام في الأرض والضمير‏.‏ وتنزيل الملائكة وجبريل عليه السلام خاصة، بإذن ربهم، ومعهم هذا القرآن باعتبار جنسه الذي نزل في هذه الليلة وانتشارهم فيما بين السماء والأرض في هذا المهرجان الكوني، الذي تصوره كلمات السورة تصويراً عجيباً‏.‏‏.‏

وحين ننظر اليوم من وراء الأجيال المتطاولة إلى تلك الليلة المجيدة السعيدة، ونتصور ذلك المهرجان العجيب الذي شهدته الأرض في هذه الليلة، ونتدبر حقيقة الأمر الذي تم فيها، ونتملى آثاره المتطاولة في مراحل الزمان، وفي واقع الأرض، وفي تصورات القلوب والعقول‏.‏‏.‏ فإننا نرى أمراً عظيماً حقاً‏.‏ وندرك طرفاً من مغزى هذه الإشارة القرآنية إلى تلك الليلة‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما ليلة القدر‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

لقد فرق فيها من كل أمر حكيم‏.‏ وقد وضعت فيها من قيم وأسس وموازين‏.‏ وقد قررت فيها من أقدار أكبر من أقدار الأفراد‏.‏ أقدار أمم ودول وشعوب‏.‏ بل أكثر وأعظم‏.‏‏.‏ أقدار حقائق وأوضاع وقلوب‏!‏

ولقد تغفل البشرية لجهالتها ونكد طالعها عن قدر ليلة القدر‏.‏ وعن حقيقة ذلك الحدث، وعظمة هذا الأمر‏.‏ وهي منذ أن جهلت هذا وأغفلته فقدت أسعد وأجمل آلاء الله عليها، وخسرت السعادة والسلام الحقيقي سلام الضمير وسلام البيت وسلام المجتمع الذي وهبها إياه الإسلام‏.‏ ولم يعوضها عما فقدت ما فتح عليها من أبواب كل شيء من المادة والحضارة والعمارة‏.‏ فهي شقية، شقية على الرغم من فيض الإنتاج وتوافر وسائل المعاش‏!‏

لقد أنطفأ النور الجميل الذي أشرق في روحها مرة، وانطمست الفرحة الوضيئة التي رفت بها وانطلقت إلى الملأ الأعلى‏.‏ وغاب السلام الذي فاض على الأرواح والقلوب‏.‏ فلم يعوضها شيء عن فرحة الروح ونور السماء وطلاقة الرفرفة إلى عليين‏.‏‏.‏

ونحن المؤمنين مأمورون أن لا ننسى ولا نغفل هذه الذكرى؛ وقد جعل لنا نبينا صلى الله عليه وسلم سبيلاً هيناً ليناً لاستحياء هذه الذكرى في أرواحنا لتظل موصولة بها أبداً، موصولة كذلك بالحدث الكوني الذي كان فيها‏.‏ وذلك فيما حثنا عليه من قيام هذه الليلة من كل عام، ومن تحريها والتطلع إليها في الليالي العشر الأخيرة من رمضان‏.‏‏.‏ في الصحيحين‏:‏ «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» وفي الصحيحين كذلك‏:‏

«من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»

والإسلام ليس شكليات ظاهرية‏.‏ ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في القيام في هذه الليلة أن يكون «إيماناً واحتساباً»‏.‏‏.‏ وذلك ليكون هذا القيام استحياء للمعاني الكبيرة التي اشتملت عليها هذه الليلة «إيماناً» وليكون تجرداً لله وخلوصاً «واحتساباً»‏.‏‏.‏ ومن ثم تنبض في القلب حقيقة معينة بهذا القيام‏.‏ ترتبط بذلك المعنى الذي نزل به القرآن‏.‏

والمنهج الإسلامي في التربية يربط بين العبادة وحقائق العقيدة في الضمير، ويجعل العبادة وسيلة لاستحياء هذه الحقائق وإيضاحها وتثبيتها في صورة حية تتخلل المشاعر ولا تقف عند حدود التفكير‏.‏

وقد ثبت أن هذا المنهج وحده هو أصلح المناهج لإحياء هذه الحقائق ومنحها الحركة في عالم الضمير وعالم السلوك‏.‏ وأن الإدراك النظري وحده لهذه الحقائق بدون مساندة العبادة، وعن غير طريقها، لا يقر هذه الحقائق، ولا يحركها حركة دافعة في حياة الفرد ولا في حياة الجماعة‏.‏‏.‏

وهذا الربط بين ذكرى ليلة القدر وبين القيام فيها إيماناً واحتساباً، هو طرف من هذا المنهج الإسلامي الناجح القويم‏.‏